محمد جواد مغنية

368

الفقه على مذاهب الخمسة

إثباته ، والحكم به متعسرا ومتعذرا ، حيث اكتفى بشاهدي عدل لثبوت جريمة القتل ، أما الزنا فلا يثبت شرعا إلا بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوا المرود في المكحلة ، ولا يكفي في شهادتهم أن يقولوا فلان زنى بفلانة ، أو انهم رأوهما عاريين متعانقين في فراش واحد تحت لحاف واحد ، وإذا شهد بالزنا ثلاثة شهود ، ولم يشهد الرابع وجب ان يجلد كل واحد من الشهود ثمانين جلدة ، وكذا من اتهم رجلا أو امرأة بالزنا جلد ثمانين « 1 » . والغرض من ذلك كله الستر على الناس ، وعدم الهتك ، والمحافظة على العائلة والأسرة خوفا من ضياع النسل ، وتشريد الأطفال . والزنا هو صدور الفعل بمعناه الحقيقي من البالغ العاقل العالم بالتحريم المختار في الفعل ، فلا يتحقق ممن هو دون البلوغ ، ولا من المجنون والجاهل ، ولا من المكره والسكران ، بل يكون فعلهم - والحالة هذه - شبهة ، وقدمنا الكلام عليها وعلى حكمها . ومن هنا يتبين أن الشريعة الإسلامية قد ضيقت الأمر في مسألة الزنا أي تضييق ، ضيقت معناه ، إذ جعلته الفعل عن علم وتصميم على نحو لا يمكن الحمل على الغلط والاشتباه بحال من الأحوال ، وضيقت طريق إثباته : إذ حصرته بأربعة عدول يرون بالعين ولا يمكن رؤيته بحسب العادة ، وعلى افتراض ان شاهدا واحدا رأى ذلك ، فلا يمكن أن يراه ثلاثة ، ولو رآه ثلاثة لا يمكن ان يراه أربعة ، كل ذلك يدل دلالة صريحة على أن الإسلام سد هذا الباب سدا محكما في وجه من يحاول الكلام في هذا الموضوع الشائك ، لأن اللَّه سبحانه لا يحب ان تشيع الفاحشة في خلقه . وقد أجمع فقهاء المذاهب إذا تحقق الزنا بهذا المعنى وهذه الطريق

--> « 1 » كتاب اللمعة للشيعة ج 2 باب الحدود وكتاب المغني للسنة ج 8 ص 198 وما بعدها .